كيف يُمكِن لدرء حرائق غابات ألاسكا إبطاء وتيرة تغيُّر المناخ

يُفاقِم تغيُّر المناخ حرائق غابات ألاسكا.. وهو ما يؤدي بدوره إلى تفاقُم تغيُّر المناخ.. إليكم كيفية كسر هذه الحلقة المفرغة

في الغابات الشمالية الغنية بالكربون، والتي تمتد في أنحاء المعمورة أسفل الدائرة القطبية الشمالية مباشرةً، تدور حلقة مفرغة بين المناخ وحرائق الغابات، الأمر الذي يفرض تسارعًا للخطر المتعلق بالمناخ وفرصةً متعذرة التحقيق لإخماد مصدرٍ كبيرٍ ومُتنامٍ لانبعاثات غازات الدفيئة.

وبالتطرق إلى ألاسكا، تنتشر حرائق الغابات هذا الصيف في شتى أنحاء غابات الولاية بوتيرة تاريخية ومروعة، وفي الفترة من يونيو إلى أغسطس، أَحْرَقت حرائق الغابات أكثر من 3.1 ملايين فدان في شتى أنحاء الولاية، وهي مساحة أكبر من متنزهي يلوستون ويوسميتي الوطنيين مجتمعين، وذلك يمثل ما يقرب من نصف المساحة التي تعرَّضت للحريق في جميع أنحاء الولايات المتحدة خلال هذا العام حتى تاريخه، والتي تُقَدَّر بنحو 5.7 ملايين فدان، وذلك وفقًا لمركز مكافحة الحرائق الوطني المشترك بين الوكالات (NIFC)، وفي أثناء احتراقها، انبعث من حرائق غابات ألاسكا أكثر من 150 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون موجهة إلى الغلاف الجوي، وهذا يمثل مكافئ التلوث الكربوني الناتج عن قيادة 32 مليون سيارة تعمل بالغاز لمدة عام.

تُعَد الغابات الشمالية مستودعاتٍ ضخمةً للكربون، فتحمل هذه الغابات -في تربتها بشكل أساسي- نحو ثلثي كل الكربون المُخَزَّن في غابات العالم، وبينما تحدث حرائق الغابات بطبيعة الحال في هذه الغابات، نرصد نحن وباحثون آخرون في مجال المناخ كيف يؤدي تغيُّر المناخ إلى زيادة هائلة في تواتر الحرائق وشدتها.

لقد تضاعفت المساحة المحترقة في غابات ألاسكا والغابات التي تهيمن عليها أشجار التنوب في كندا منذ ستينيات القرن الماضي، فترتفع درجات الحرارة في هذه المناطق الواقعة على خطوط عرض مرتفعة بمعدل أسرع أربع مرات تقريبًا من المتوسط العالمي، وهو منحى يطيل مواسم النمو، ويقلل من تكتل الثلوج في فصول الربيع الحارة والجافة وفي أوائل الصيف، مثل ما شهدته ألاسكا في هذا العام، ويُعَطِّش الأشجار والتربة، والبرق أيضًا -المصدر الرئيسي لاشتعال الحرائق الهائلة في هذه الغابات- يصير أكثر تواترًا مع احترار المناخ.

ومع ترك حرائق الغابات الشمالية دون كبَح جماحها، ستشتد بشكل أكبر، مُشعِلةً كمياتٍ أكبر بكثير من مستودعات الكربون العضوي القديمة الموجودة في أعماق تربة هذه الغابات ومُطلِقةً إياها في الغلاف الجوي، ونظرًا إلى أن حرائق الغابات الشمالية حاليًّا تُترك دون كابح في غالب الأحيان، فهذا هو المسار المُقلِق الذي نسير فيه، ولكن ليست هناك حاجة إلى القلق؛ إذ يشير بحثنا -الذي نُشِر مؤخرًا في مجلة «ساينس أدفانسز» Science Advances– إلى أن الحفاظ على حرائق الغابات في ألاسكا عند المستويات التي شهدتها هذه الغابات، والتي تكيَّفَت معها قبل تصاعد الاحترار في العقود القليلة الماضية، قد يكون طريقةً مُهِمة ومُغفَلة وفعَّالة من حيث التكلفة بشكل ملحوظ للتخفيف من حِدّة تغيُّر المناخ.

وعلى الرغم من أنها تمثل نحو 18 في المئة من مساحة الأراضي الأمريكية ونصف المتوسط السنوي لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون الصادرة عن الحرائق الأمريكية، فإن ألاسكا تتلقى حاليًّا أقل من 4 في المئة من التمويل الفيدرالي لإخماد الحرائق، البالغ نحو 3 مليارات دولار سنويًّا، تُخَصص موارد مكافحة الحرائق على الصعيدين الفيدرالي والولائي لولاية ألاسكا -في المتوسط، ما مجمله نحو 130 مليون دولار سنويًّا- لمكافحة الحرائق التي تمثل تهديداتٍ مباشرةً على أرواح البشر وممتلكاتهم، وهو أمرٌ محل إدراك، وتُترَك عادةً حرائق الغابات في المناطق النائية من برية غابات ألاسكا دون محاولة إخمادها.

ويبقى السؤال: كيف يُمكِن تصميم سياسات ووضع ميزانيات إدارة الحرائق لإبقاء حرائق الغابات الشمالية وانبعاثاتها عند مستوياتها السابقة؟ إن محاولة إخماد حرائق الغابات الكبيرة البعيدة في ظل ظروف حارة وجافة وعاصفة ستكون مغامرةً ملحميةً ومكلفةً وسفيهة، ولكن مع وجود موارد مُخَصصة، قد يكون من الممكن إخماد هذه الحرائق قبل أن تصير كبيرة، من خلال استهداف الحرائق الصغيرة البعيدة من الجو بمجرد اكتشافها لأول مرة بواسطة الطائرات أو الأقمار الصناعية، سيكون الهدف ببساطة هو تحجيم الحرائق، والحد من الانبعاثات مع الاحتفاظ بالمزايا الإيكولوجية المُهِمة التي توفرها حرائق الغابات، قد يكون هذا التركيز على المداهمة الأوَّليّة فعَّالًا على وجه الخصوص في الحد من حجم الحريق، إذ تتجه الذروات في الحرائق المشتعلة للتو إلى أن تسبق الذروات في المنطقة المحترقة بعدة أسابيع أو أكثر.

وتَوَصَّل بحثنا إلى أن إبقاء حرائق غابات ألاسكا عند مستويات ما قبل تغيُّر المناخ سيتطلب متوسط استثمار سنوي يبلغ نحو 700 مليون دولار حتى عام 2030، أي خمسة أضعاف الاستثمار السنوي الحالي في إدارة حرائق ألاسكا، سوف يدعم التمويل وجود موظفين إضافيين والمزيد من الطائرات والطائرات بدون طيار وغيرها من الموارد الفنية لمراقبة هذه الحرائق وإخمادها في أثناء كونها صغيرة الحجم، وتلك زيادة كبيرة في الميزانية بالتأكيد، لكن ضع في الاعتبار أن إدارة الحرائق المشتعلة على نطاق واسع في ألاسكا لمنع تزايُد حرائق الغابات ستكلف أقل من 13 دولارًا لتجنُّب انبعاثات طن واحد من ثاني أكسيد الكربون، وهذا يتساوى مع تكلفة حلول الطاقة النظيفة مثل إحلال طاقة الرياح الساحلية أو الطاقة الشمسية الفلطائية الضوئية محل الكهرباء المُوَلَّدة من الوقود الأحفوري على نطاق المرافق.

نحن نقدر تقديرًا متحفظًا أن إبقاء حرائق غابات ألاسكا عند مستوياتها السابقة سيقتضي تفادي إطلاق ما يصل إلى 950 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون حتى عام 2030، وقد يؤدي استهداف إخماد الحرائق على وجه الخصوص في المناطق الغنية بالكربون والمعرضة لاحتمالية مرتفعة لخطر اندلاع حرائق الغابات، مثل أراضي الخث، إلى تقليل الانبعاثات بقدر أكبر، وكذلك يُمكِن للشراكة وتبادل الخبرات مع كندا، وأخيرًا روسيا، توسيع نطاق إدارة الحرائق التي تهدف إلى الحد من انبعاثات الكربون عبر المناطق الشمالية.

إن وضع حدٍّ لحرائق الغابات الشمالية من شأنه أن يكون له فوائد إضافية متعددة، من بينها فوائد على مستوى الصحة العامة، يُمكِن أن يسافر دخان حرائق الغابات مئات الأميال، مُعَرِّضًا سكان ألاسكا القريبين منه والبعيدين عنه لخطر كبير يتمثل في الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي الخطيرة وتعطيل سُبُل الحياة التقليدية لمجتمعات ألاسكا الأصلية، وفي مطلع شهر يوليو، تعرَّضت مدينة نومي للاختناق من جرَّاء الدخان الكثيف الناجم عن حرائق الغابات على بُعد 430 ميلًا، مما تسبب في ارتفاع تلوث الأوزون والتلوث بالجسيمات فوق المستويات الخطرة، وفي بعض الأعوام وصل الدخان المنبعث من حرائق غابات ألاسكا إلى شرق الولايات المتحدة، مما قلَّل بشكل ملحوظ من جودة الهواء.

لا يمكننا وقف الاحترار العالمي دون الحد بشكل كبير من انبعاثات الوقود الأحفوري ثم القضاء عليها في نهاية المطاف، ولكن يجب علينا أيضًا كبح انبعاثات حرائق الغابات الشمالية، نحن نتجاهل حرائق الغابات وتأثيراتها المناخية المتسارعة على تعرُّضنا للخطر، يجب أن تكون إدارة الحرائق المشتعلة على نطاق واسع للتخفيف من حدة تغيُّر المناخ في غابات ألاسكا الشمالية جزءًا من حافظة تدابير الولايات المتحدة للحد من تغيُّر المناخ، والآن حان الوقت للنهوض بإدارة الحرائق باعتبارها إستراتيجية أساسية وفعَّالة من حيث التكلفة للحفاظ على المخازن الهائلة لكربون الغابات الشمالية في الأرض.


Comments

رد واحد على “كيف يُمكِن لدرء حرائق غابات ألاسكا إبطاء وتيرة تغيُّر المناخ”

  1. الصورة الرمزية لـ eslam.elyamany@hotmail.com
    eslam.elyamany@hotmail.com

    جميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *